ابن أبي الحديد
13
شرح نهج البلاغة
غضب الله عليهم ) ( 1 ) ، ولاجماع المسلمين على إن الله تعالى فرض عداوة أعدائه ، وولاية أوليائه ، وعلى إن : البغض في الله واجب ، والحب في الله واجب - لما تعرضنا لمعاداة أحد من الناس في الدين ، ولا البراءة منه ، ولكانت عداوتنا للقوم تكلفا . ولو ظننا إن الله عز وجل يعذرنا إذا قلنا : يا رب غاب أمرهم عنا ، فلم يكن لخوضنا في أمر قد غاب عنا معنى ، لاعتمدنا على هذا العذر ، وواليناهم ، ولكنا نخاف أن يقول سبحانه لنا : إن كان أمرهم قد غاب عن أبصاركم ، فلم يغب عن قلوبكم وأسماعكم ، قد أتتكم به الأخبار الصحيحة التي بمثلها ألزمتم أنفسكم الاقرار بالنبي صلى الله عليه وآله وموالاة من صدقه ، ومعاداة من عصاه وجحده ، وأمرتم بتدبر القرآن وما جاء به الرسول ، فهلا حذرتم من أن تكونوا من أهل هذه الآية غدا : ( ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ) ( 2 ) ! فأما لفظة اللعن فقد أمر الله تعالى بها وأوجبها ، ألا ترى إلى قوله : ( أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) ( 3 ) ، فهو إخبار معناه الامر ، كقوله : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ( 4 ) ) ، وقد لعن الله تعالى العاصين بقوله : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ( 5 ) ) ، وقوله : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) ( 6 ) ، وقوله : ( ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ( 7 ) ) ، وقال الله تعالى لإبليس : ( وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ( 8 ) ) وقال : ( إن الله لعن الكافرين وأعدلهم سعيرا ( 9 ) ) .
--> ( 1 ) سورة الممتحنة 13 . ( 2 ) سورة الأحزاب 67 . ( 3 ) سورة البقرة 159 . ( 4 ) سورة البقرة 228 . ( 5 ) سورة المائدة 78 . ( 6 ) سورة الأحزاب 57 . ( 7 ) سورة الأحزاب 61 . ( 8 ) سورة ص 78 . ( 9 ) سورة الأحزاب 64 .